مشاهدة النسخة كاملة : التسامح واحترام الآخرين


حمد شريف
09-26-2007, 04:46 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

التسامح وأحترام الأخرين سوف أجلب لكم عدة مواضيع من متخصصين وباحثون في عنوان الموضوع وهو التسامح
---------------------------------------------------------------------
د.عبد الحميد الأنصاري

التسامح كلمة محببة إلى النفس، والإسلام دين التسامح ينبذ العنف والكراهية، ويدعو إلى التعاون والسلام والتعامل بالبر مع المخالفين لنا في الدين، والبشرية في نظر الإسلام أسرة إنسانية واحدة، وقد وصف الله المسلمين بأنهم أمة تدعو إلى الخير والتسامح والمحبة. كل هذه المعاني والقيم والمبادئ الأخلاقية معروفة ومحفوظة ونعلمها لطلابنا ونتباهى بها في خطابنا الديني عبر المنابر الدينية والإعلامية.

لقد ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم، أروع الأمثلة في التسامح حتى مع أشد أعدائه الذين حاربوه واضطهدوه وعذبوا المسلمين واضطروهم للهجرة. لقد تناسى رسولنا الكريم كل ذلك وذهب إلى عدوه ليعقد معه صلح الحديبية ورضي بالشروط المجحفة إيثاراً للسلام وحقناً للدماء، حتى إذا نصره الله بفتح مكة، يأتيه الملأ من قريش مستسلماً فيقول لهم باسماً: "اذهبوا فأنتم الطلقاء، لا تثريب عليكم ويغفر الله لكم". هذا هو التسامح في أسمى صوره، يكون عند المقدرة ومن موقع العدل والإنصاف والعزّة.

ويحفظ التاريخ مواقف مجيدة لتسامح المسلمين مع أصحاب الأديان والأقليات المختلفة التي عاشت في رحاب حضارة الإسلام، وكلنا نعرف ونحفظ تلك العهود والمواثيق التي عقدها قادة المسلمين في العهد الراشدي مع زعماء الديانات المختلفة، وهي مواثيق تحفظ لهم كافة حقوقهم وتكفل لهم ممارسة شعائرهم الدينية وتصون لهم معابدهم ودور عباداتهم، ولم تتضمن تلك المواثيق أي تمييز أو انتقاص للحرية أو الكرامة. ولعلنا نتذكر ما فعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حينما ذهب لعقد معاهدة السلام مع أهل إيليا (القدس) إذ رأى هيكلاً لليهود ستره التراب ولم يبق منه إلا أعلاه، فجاء بفضل ثوبه وأخذ من التراب المتراكم فاقتدى به المسلمون، فزال كل ما ستر الهيكل من تراب وبدا واضحاً ليقيم اليهود عنده شعائرهم الدينية. وحينما حضرت الصلاة وهو بجوار كنيسة بيت المقدس، صلى بجوارها وقال: "خشيت أن أصلي فيها، فيزيلها المسلمون من بعدي ويتخذونها مسجداً".

ولعلنا -أيضاً- نحفظ وصية أبي بكر رضي الله عنه، لقائده:
"إن موصيك بعشر: لا تقتلنّ امرأة ولا صبياً، ولا كبيراً هرماً، ولا تقطعنّ شجراً مثمراً لا نخلاً، ولا تحرقها، ولا تخربَّن عامراً، ولا تعقرنّ شاة إلا لمأكلة، ولا تجبُن ولا تغلُل"، وهذا مع العدو المحارب فكيف بالمسالم؟
إننا في هذه الأيام بحاجة ماسة إلى إعادة تذكير شبابنا بهذه القيم السامية التي تجسِّد "إنسانية ديننا" بعد أن طغى وبغى دعاة الكراهية والتعصب والعنف وملأوا الدنيا إساءات وألحقوا أبلغ الضرر بصورة الإسلام والمسلمين، وجعلوا العالم كله يتوجس من المسلمين ومن أي شيء يمت إلى الإسلام. ولكن هلاّ تساءلنا: ما الذي جعل بعض أبنائنا ينقلبون وحوشاً ضارية؟ ما الذي حولهم أدوات للقتل وقنابل تنفجر ضد مجتمعاتهم والعالم أجمع؟!

ما الذي حبب إليهم الهلاك والموت؟ ما الذي جعلهم يفرون من هذه الحياة ومباهجها؟! إنه الإرث التعصبي الممتد إلينا من أعماق التاريخ، نشأ وتبلور وانتشر وتكرس في البنية المجتمعية على مر التاريخ الإسلامي في ظل أنظمة تسلطية مارست قمعاً وتمييزاً وتهميشاً ضد المسلمين وغير المسلمين، وساندته -للأسف - اجتهادات فقهية -لا إنسانية- اقرأ على سبيل المثال لا الحصر ما ورد في معظم الكتب الفقهية التراثية (ويؤخذ أهل الذمة بالتمييز عن المسلمين في زيهم ومراكبهم وسروجهم وقلانسهم، فلا يركبون الخيل ولا يعملون بالسلاح ولا يُبتدأون بالسلام، ويضيق عليهم الطريق، ويجب أن يربطوا خيطاً غليظاً من الصوف يشدونه على وسطهم حتى لا يعاملوا معاملة المسلمين، ويجب أن يتميز نساؤهم عن نسائنا في الطرقات والحمامات ويجعل على بيوتهم علامات كي لا يقف عليها سائل يدعو لهم بالمغفرة، وإذا ركبوا -للضرورة - نزلوا حيث وُجد مسلمون ومشوا على أقدامهم).

وإذا تساءلت: لماذا هذه المعاملة التمييزية الظالمة، أجابك الفقيه بثقة: ذلاً وصغاراً لهم، وإعزازاً وتوقيراً للمسلمين ولدينهم!! ومما يؤسف له أن تستمر تلك الممارسات الظالمة قروناً متطاولة، فالراهب سيمون في رحلته إلى مصر والشام (1608 - 1620) يصف مشاهد مؤلمة ويقول: "عند العرب، تعصب لا تعرفه تركيا ولا إيران، فركوب النصارى (البغل) أو (الفرس) ممنوع، وليس لهم إلا (الحمير) فإذا مروا أمام المحاكم أو الجوامع عليهم أن ينزلوا، وحتى مراسم الجنازة ممنوعة، وبسبب هذا التضييق أصبحت الكنائس خربة، والطقوس مهملة".
هذا الإرث التعصبي التمييزي -المخالف للثوابت الإسلامية- هو الذي ارتوى منه بعض أبنائنا فضلت -لديهم- مفاهيم "الولاء والبراء" والعلاقة بالآخر.

ومن أجل أن نحصِّن أولادنا ونحفظ لهم مستقبلهم، علينا –أولاً- إعلان قطيعة معرفية مع هذا الإرث اللاإنساني ومع كل موروث ثقافي يتنافى والنصوص الدينية الثابتة مما هو اجتهاد بشري عمل به الأسلاف، فلسنا بحاجة في هذا العصر ونحن أبناؤه إلى كل ما يوجد في كتب الأسلاف بل نحتاج إلى فقه يحتضن الإنسان لأنه إنسان ويحبب شبابنا في الحياة والثقافة والفنون الراقية. وعلينا -ثانياً- الكف عن ترديد مفهوم "التسامح" شعاراً نتغنى به ونتباهى به ونحن نعيش أوضاعاً غير متسامحة. علينا إذا كنا صادقين وأوفياء لمبادئنا ترجمتها إلى أرض الواقع في سلوكيات عملية، فالعالم كله يحكم على الإسلام من خلال سلوك المسلمين ولا يأبه بشعاراتهم الرنانة، وخطبهم البليغة، وكما يقول محمد جابر الأنصاري -إن عندنا أفضل المبادئ ولكننا نعيش أسوأ الأوضاع- وبخاصة فيما يتعلق بالتسامح.

في تصوري أن المفتاح التربوي هو البداية الحقيقية لتعزيز قيم التسامح، من البيت، من الأسرة الصغيرة، في تسامح الأبوين مع بعضهما بعضاً ومع الجيران، في تسامح أفراد الأسرة مع بعضهم بعضاً، مع الخدم في البيت، وتمتد إلى المؤسسات التعليمية ليكون المعلم نموذجاً متسامحاً هادياً لطلابه، صعوداً إلى بقية مؤسسات المجتمع المدني والحكومي بمختلف ألوانها السياسية والثقافية والدينية، بأن تمارس النخبة الدينية والثقافة ثقافة التسامح وتقلع عن اتهامات التخوين والتكفير والعمالة. بأن يسود المجتمع تشريع عادل لجميع فئات وعناصر وطوائف المجتمع ونظام سياسي يكفل حقوق وحريات الجميع على قدم المساواة.

*نقلا عن جريدة "الاتحاد" الإماراتية
--------------------------

في «التسامح» وإشكالية المفهوم : المجال الحديث والمجال الاسلامي
احميده النيفر الحياة
كاتب وأستاذ جامعي- تونس

2005/04/16


لا غرابة أن يكون معنى التسامح في المعجم العربي بمعنى السماحة والجود والكرم فمعناه أن تتغاضى عن خطأ غيرك، أو تتساهل في حق، أو تصبر على إساءة ما. بينما المفهوم نفسه في لغات أخرى مثل الفرنسية يحمل دلالة أوسع. لكن ما يؤكده الاستعمال الفرنسي من معنى المساواة لم يكن هو الطابع «الأصلي» الذي ميّز عبارة (Tolérance) التي أصبحت تفيد قبول التفكير والسلوك المغايرين لما عليه عموم الناس. ما يعبر عنه معجم روبير الفرنسي يتعلق بما انتهت إليه هذه العبارة بعد أطوار وتحولات بدأت منذ القرن السابع عشر إلى القرن العشرين. لقد شحنت الكلمة بمضامين جديدة فتجاوز التسامح المجال الفردي والتطوعي ليصبح دالاً على طاقة المجتمع وقدرته على استيعاب الاختلاف والمعارضة واحترامهما. مثل هذا المعنى ليس «أصلياً» ودائماً من ثم فإننا نجد في المعجم الفرنسي معاني عدة للكلمة نفسها كالتفهّم والتساهل والإحجام عن المنع. لكن المعجم يؤكد أن ما بلغته هذه العبارة من دلالة عن احترام حرية الآخر في معتقداته الدينية أو أفكاره الفلسفية أو آرائه السياسية إنما تحقق في فترة متأخرة.

فاللغات ومنها اللغة الفرنسية أو أي لغة أخرى لها تاريخ وصيرورة والعبارات المتصلة بالجوانب الحضارية والفكرية والاجتماعية تعكس تلك الصيرورة. وهذا يثير مسألة المعاجم عندنا. ففي العربية لا نملك إلى الآن معجماً تاريخياً شاملاً، ولقد حاول ذلك المستشرق الألماني فيشر Fisher لكنه توفي قبل أن ينظم كامل المواد التي جمعها. ما أقصده هو أن المعجم التاريخي يدعّم وعينا بمدى التحوّل الذي شمل اللغة والفكر في آن واحد فهو من هذه الناحية عنصر يساعد على إدراك طبيعة الموقع الذي تحتله أمة ما مقارنة بما كانت عليه في أطوار سابقة ومقارنة بما بلغته الأوضاع نفسها لدى أمة أخرى.

حمد شريف
09-26-2007, 04:48 PM
من جهة أخرى فإن البحث عن مفهوم التسامح في المعجم العربي لا ينبغي أن يتوقف عند مادة (س م ح) بل يحتاج أن يشمل مادة (ع ف و) أو مادة (د ر أ) وما حفّ بالتسامح والعفو والصبر من عبارات مصاحبة ورديفة حتى نتمكّن من تحديد خصوصية المفهوم في اللغة العربية. مع هذا فإن البحث اللغوي - الفكري ينتهي إلى أن عبارة التسامح في اللغة العربية ما تزال دالة على سلوك ذاتي واختياري فهي بذلك لا تشمل قبول المساواة التامة بين حقوق الطرف الغالب والأطراف الأخرى. إنها بذلك بعيدة من أن تكون أساساً للتنظيم الاجتماعي والسياسي للمجتمع.

لكن هذه الخصوصية لا تتصل بأي صورة بخصوصيات «عرقية» إذ إن الاستناد إلى مثل هذه النظريات العرقية قد وقع تجاوزه علمياً، ولقد بات من اليقيني أن الثقافة هي التي تصنع العرق وليس العرق هو الذي يصنع الثقافة، ومن ثم فإن ما نعالجه من قضية اللاتسامح في مجتمعات عربية إسلامية يعود إلى ظاهرة التمركز الثقافي في ذلك الفضاء، فهي التي تحول دون بلوغ حدّ التكافؤ بين الذات والآخر. هذا مع العلم أن التمركز ليس خاصية عربية وان الفرنسيين وغيرهم على رغم التحولات المهمة في هذا الموضوع يدركون أن أنساقهم الثقافية ورؤيتهم لذواتهم ولغيرهم لا تزال محمّلة بمعانٍ ثقافية ضاربة في القدم وفي اللاتكافؤ.

لذلك فإن السؤال عن شكل التسامح الذي تفصح عنه آيات القرآن الكريم يثير من جهة أولى مضمون التسامح في الخطاب القرآني أي أن المطلوب هو قراءة المسألة وتأصيلها في ضوء ما بلغه الفكر المعاصر من قيم التنظيم الاجتماعي والسياسي. من جهة ثانية يتناول السؤال المنهجَ الذي ينبغي أن يُعتمد اليوم في دراسة المفاهيم القرآنية وما يمكن أن يفضي إليه هذا المنهج من مراجعات لمعنى قدسية النص القرآني.

إن بدأنا بجانب المضمون فإن عبارة التسامح لا ترد في القرآن الكريم. لكنها تتوافر ضمن حقل دلالي تحدده عبارات أخرى مثل «العفو» و»الإكراه» و»التذكير» وما اتصل بمجال الإيمان والكفر. تتقاطع ضمن هذا الحقل جملة من الدوائر مجسّدة قيمة جديدة بالنسبة إلى مجتمعات قديمة كانت لا تفصل بين التدين والروابط الاجتماعية المقيدة قاصرة مفهوم الإنسان على فرديّة آسرة وعشائرية طاغية.

لقد كان مبدأ «لا إكراه في الدين» خطوة جديدة تحدى بها الخطاب القرآني النسق الثقافي السائد سواء أكان متمثلاً في الوثنية أم في النصرانية أم في اليهودية أم في غير ذلك. نجد أساس التسامح متعلقاً بالأفراد وبالجماعات متمركزاً في قضية «الحق» ضمن البنية القرآنية: «وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر». تتدعم قيمة التسامح في دوائر أخرى مثل قوله تعالى: «ويدرؤون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار» أو قوله: «وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً». أما في جانب العلاقات بين المجموعات فالآيات التي تؤكد على مساواة الناس أياً كانت معتقداتهم لافتة للنظر. هناك إقرار بمبدأ التعددية: «وإن من أمة إلا خلا فيها نذير» أو قوله: «ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين». هذه الدوائر تثبت أن الإيمان واتباع الحق لا ينفصل عن الصيرورة التاريخية. في هذا التركيز على تعدّد الرسالات الإلهية دعوة لتجنب الحصرية وروح الطائفية. يتأكد هذا من خلال آيتين مدنيتين :

- «إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين مَن آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون».

- «إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابؤون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون».

لذلك فإن الإقرار بمبدأ تعدد الرسالات الإلهية التي ُتختَم برسالة محمد (صلى الله عليه وسلّم) يفضي إلى أن الخطاب القرآني جعل معاييرَ لحقية أة رسالة: إنها الإيمان بالله الواحد واليوم الآخر والعمل الصالح.

آية مدنية ثالثة تؤكد هذا التوجه: «ليس بأمانيِّكم ولا أمانيِّ أهل الكتاب من يعملْ سوءاً يجزَ به ولا يجدْ له من دون الله ولياً ولا نصيراً ومن يعملْ من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً».

لقد عالج القرآن الكريم مسألة التسامح معالجة متأنية وواضحة في المرحلة المدنية وذلك بمواجهة «الحصرية» المتربصة بالرسالات السابقة وبعقيدة التوحيد بخاصة مما يؤول إلى نوع من انحسار الرحمة في حدود ضيقة. «التسامح القرآني» يبرز من خلال مقاومة «الحصرية» التي تجعل أن ليس هناك خلاص لأحد خارج هذه الملة أو تلك.
لكن المسألة تبرز أيضاً في الجزء المكّي من القرآن الكريم. في هذا المجال نجد أن هذه المرحلة أسست لقيمة التسامح من مداخل عقدية مختلفة. هذه المسالك تتناسب والوضع التاريخي الذي كانت تعيشه الجماعة المؤمنة الأولى ونوع التحديات التي تواجهها من جهة وطبيعة التحديات التي تنتظرها في مستقبلها من جهة ثانية. لذلك فإن الحقل الذي استُنبتت فيه هذه القيمة الجديدة في هذا الطور من الخطاب القرآني ينبغي أن يُسعى إليه في الآيات المتحدثة عن «آدم» وعن مواجهة أبنيه. ضمن هذه الدوائر المكية للخطاب القرآني وُضِع أساس للمساواة من خلال الأصل الجامع في بعده الانطولوجي المتعلق بطبيعة تحقق المعقول في وجود الإنسان في اعتباره فاعل ذاته.

يبقى - نتيجة لما ذكرته - الجانب المنهجي المتصل بالتمشي الذي ينبغي أن يعتمد في معالجة هذه القضية وغيرها لتحديد طبيعة الخطاب القرآني. نكتفي بالقول إن المنهج التزامني Synchronique مهمّ لأنه يولي أهمية كبرى للشروط الثقافية والفكرية الخاصة بتلك اللغة في فترة زمنية محددة. إنه يتيح بمعالجة متعيّنة تاريخياً التوصّل إلى ضبط أوّلي للمفهوم الذي يراد تحديده. لكن المنهج التعاقبي Diachronique قادر أن يكشف من خلال التفاته لتطور مفهوم ما وتواصل دلالته أو تغيرها عبر فترات مختلفة إلى نتائج في غاية الأهمية.

فيمكن أن نقول في كلمة بأن الغلو والتكفير ظواهر تاريخية قابلة للتجدد لكنها محكومة برؤية يظن البعض أنها من جوهر الدين في حين أن الإيمان هو طريق مميزة للقاء بالله لكن العقائد والفهوم التي نؤسس عليها إيماننا لا يمكن أن تستنفد غنى كلام الله وعلمه ورحمته. لذلك فإن ذلك الإيمان نفسه يفترض الإقرار بحق الاختلاف في الفهم والرؤيا والتأويل
-------------------------------------------------------------------
ثبت علمياً أن من أهم صفات الشخصيات المضطربة والتي تعاني من القلق المزمن

هو أنها لا تعرف التسامح .. ولم تجرب لذة العفو ونسيان الإساءة.

ولقد ضرب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عشرات الأمثلة على التسامح والعفو، وعلى نفس الدرب سار الصحابة رضوان الله عليهم .. قال الله تعالى:"خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين" .
( الأعراف 199)

وقال تعالى: "وإن تعفو أقرب للتقوى" ..وقال صلى الله عليه وسلم: "أفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك".

أنت أيضاً تستطيع أن تدرب نفسك على العفو والتسامح بتكرار هذه الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة في السيطرة على الغضب وغرسها في ذهنك والاستعانة بها خلال جلسات الخلوة، بل وأن تسجلها وتحتفظ بها في ورقة في دفترك أو في حافظة نقودك لتعود إليها كل فترة وتستعين بها في إطفاء نار الغضب التي تنشأ نتيجة العديد من الأسباب ـ في عصرنا هذاـ مثل الزحام والتنافس على لقمة العيش بل ونتيجة أسباب بسيطة ومتكررة ويومية مثل تبادل التحية بين الناس أو عدم تقديم التحية المناسبة والترحيب بالجار أو الزميل .. وما يكتنف ذلك من سوء تفسير وتأويل والاعتقاد الخاطئ بتجاهل البعض لنا أو تعمدهم عدم تقديرنا

حمد شريف
09-26-2007, 04:54 PM
الإسلام دين التسامح

الدكتور عصام بن هاشم الجفري

الحمد لله الملك الديان الرحيم الرحمان خالق الإنس والجان ، أحمده سبحانه وأشكره على نعمه المتوالية على مر الزمان وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خص عباده المؤمنين المتقين بنعيم الجنان وتوعد المعرضين عن طريق الهدى ضنك النيران ، وأشهد أن نبينا وحبيبنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله المصطفى من بين الخليقة بالرسالة والقرآن والمجتبى بالتفضيل على الثقلين الإنس والجان صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه على طريق الهدى بإحسان . أما بعد : فاتقوا الله عباد الله فإن التقوى هي سلم الرضوان والطريق لبحبوحة الجنان قال ذلكم ربكم في محكم آيات البيان:{تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا}( [1]).أيها الأحبة في الله طفل صغير كان يعيش في كنف أبيه الذي كان يغدق عليه من حبه وحنانه فاستثار ذلك الحب والحنان إخوته من أبيه عليه فحقدوا عليه بلا ذنب ارتكبه ولا تقصير في جانبهم فعله ، فأخذوا يعقدون الاجتماعات السرية بينهم يتفكرون فيها كيف يتخلصون منه ، ثم استقر رأيهم على أن يقتلوه بإلقائه في بئر ويتخلصوا منه ومن جثمانه ، واحتالوا على الأب وأخذوا الطفل البريء وجردوه من ثوبه وألقوا به بلا رحمة أو شفقة أو مراعاة لدم النسب الذي بينهم في غياهب ذلك البئر أرادوا قتله وأراد الله له الحياة فمكث في ذلك البئر ينتظر الفرج ممن بيده مفاتيح الفرج ، وبينما هو في مجلسه ذاك إذا بحبل ودلو يتدلى فتمسك به وصعد وإذا به بين يدي رجال قساة القلوب فرحوا به لا لأنه إنسان أنقذوه ولكن لأنه يمكن بيعه في سوق العبيد وأخذوه وباعوه وبدأ في رحلة مرهقة متعبة فمن كيد النساء إلى السجن حتى مكن الله له بعد ذلك في الأرض وإذا بأخوته الذين كادوا له أتوه فقراء أذلاء فلما عرفهم بنفسه سُقط في أيديهم وقاموا يعتذرون فهل انتقم منهم هل عاقبهم على رحلة العناء والتعب التي كبدوه إياها على حرمانه من حنان الأب الذي حرموه إياه لا . بل عفا عنهم نعم عفا عنهم لأن هذه هي خلق المتقين هذه هي شيمة الرجال وعنوان الرجولة أتدرون من هو هذا الرجل الشهم إنه الكريم ابن الكريم إنه نبي الله يوسف عليه السلام واستمعوا للمقطع الأخير من القصة يقصها عليكم العليم الخبير لتظل نبراساً لأهل العفو والصفح والمسامحة: {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ()قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ()قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ()قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}(2). الله أكبر هذا يوسف تعالى على كل ما أصابه بسبب إخوته ليحلق في سماء العفو والصفح والمسامحة،نعم إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين تلكم قاعدة ذهبية ضاعت في زحمة الحياة المادية التي بنيت أخوتها على الدرهم والدينار،هذه الصورة نهديها ناصعة تضيء بنور هذا الخلق العظيم خلق العفو والصفح والمسامحة إلى إخوة من أمة الإسلام حملهم رحم واحد ورضعوا من ثدي واحد وأكلوا من إناء واحد وضمهم بيت واحد ثم إذا بينهم قضايا ومحاكم وشرط وهجر يصل بالأعوام والسنين ، يلتقيان على سفرة واحدة في مناسبات مفرحة أو محزنة ويأكلان من إناء واحد ولا يكلم بعضهم بعضاً، نسائلهم أين أنتم من كتاب ربكم الذي بين أيديكم يقص عليكم قصة يوسف وإخوته؟ أتضنون أنه قصص للتسلية فقط؟ لا . بل القرآن منهج حياة وفي سياق القصة نفسها قصة ذلك الأب المكلوم يعقوب عليه السلام الذي فقد ولده الحبيب المقرب إلى نفسه فنزل به من الهم والحزن ما الله به عليم وأستبد به البكاء حتى عميت عيناه ومع ذلك صفح عن أولاده وعفا عنهم واستغفر لهم واسمعوها طرية ندية من كتاب ربكم إذ يقول:{ قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ()قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(3).ما دعا عليهم وما عنفهم أو زجرهم وما هجرهم ، ولكن عاملهم بخلق العفو والصفح والمسامحة، فأين آباء من أمة الإسلام هجروا أبناءهم من أجل أخطاء بسيطة تافهة ودعوا عليهم فكانوا عياذاً بالله سبب شقائهم؟ أين هم من موقف يعقوب عليه السلام مع أبنائه؟. وهذا نبينا وقدوتنا صلى الله عليه وسلم مكرت به قريش في جاهليتها ؛آذوه ،عذبوا أصحابه ،أخرجوه من بلده، خططوا لقتله حاربوه في دينه ومعتقده،قاتلوه وقتلوا أصحابه وكانوا حريصين على قتله ومع كل ذلك يوم أن مكنه الله من رقابهم يوم فتح مكة خاطبهم وهو واقف على باب الكعبة وهم وقوف تحت قدميه ما تظنون أني فاعل بكم؟ فجاءه الرد من قلوب خائفة ذليلة وجلة أخ كريم وابن أخي كريم ، فماذا فعل فيهم صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي وبالناس أجمعين؟ خاطبهم بذلك الخطاب الذي يمسك بأذن التاريخ والبشرية ليصب فيها أروع صور العفو والمسامحة اذهبوا فأنتم الطلقاء مع كل ما فعلتموه،أذهبوا فأنتم الطلقاء مع كل ما ارتكبتموه، الله أكبر فأين قوماً من بني الإسلام أطالوا لحاهم وقصروا ثيابهم اقتداء بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم وحملوا أمانة الدعوة إلى الله في أعناقهم من مثل هذا الموقف تجد أحدهم يحمل على داعية مثله فيهجره ويقاطعه ويذمه و يتكلم في عرضه صباح مساء لا لشيء إلا لأنه لا يعتنق فكره أو لا ينتمي لحزبه!يصلي خلفه السنوات ثم هو لا يمد إليه يده ولا يكلمه لأوهام في رأسه ومرض في نفسه،نقول لهم:هذا رسول الله وهذا موقفه ممن حاربوه في الدين،فهل ينسجم فعلكم هذا مع دعاة مثلكم إلى الدين مع سنة خير المرسلين؟ هذا أبوبكر الصديق رضي الله عنه يتكلم في عرض ابنته الطاهرة العفيفة المبرئة من فوق سبع سموات رجل كان أبوبكر يحسن إليه وينفق عليه، فيتألم لذلك الصديق ويعتريه ما يعتري البشر فيهم بأن يمنع عطاءه عن الرجل فيعاتبه ربه من فوق سبع سموات والذي لا يرضى لأفراد أمة الإسلام إلا الكمال بقوله:{وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(4).فيستجيب الصديق المرهف الحس لآيات كتاب ربه استجابة فورية بلى والله أحب أن يغفر الله لي ويعيد إحسانه إلى الرجل؟فإلى كل صاحب فضل وإحسان جاءته إساءة ممن يحسن إليه نقول له:{أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}؟هذه جارية تصب الماء على سيدها في الوضوء فتسقط الجرة على السيد فتنكسر وتؤذيه فيغضب فتخاطبه الجارية بآيات الكتاب لأنها عرفت أن سيدها رجل مؤمن والمؤمن وقاف عند آيات ربه فقالت:والكاظمين الغيظ قال:كظمت غيظي،قالت:والعافين عن الناس،قال:عفوت عنك،قالت:والله يحب المحسنين،قال: أذهبي فأنت حرة لوجه الله!الله أكبر تخطيء وتكسر الجرة وتؤذيه ويكون ذلك سبباً في عتقها، وغيرها يشتري نفسه بالدرهم والدينار!لكنها قلوب صفت من الغل والحقد والحسد ورقت لخالقها وملئت عفواً وصفحاً قلوب تغلغل نور القرآن في جنباتها فجعلت من أصحابها كواكب يقتدى بها،فأين من يسيئون إلى عمالهم وخادماتهم لأتفه الأخطاء من العفو والصفح والمسامحة؟ أين الزوج الذي يترصد لزوجته الهفوات والزلات من مثل هذه النماذج في العفو الصفح والمسامحة؟ أين الزوجة التي تتربص من زوجها زلات اللسان والهفوات من مثل ذلك؟ أين موقعنا نحن جميعاً من مبدأ العفو الصفح والمساحة.أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:{ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}(5).

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيماً لشأنه وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه.أما بعد :
فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن دينكم دين عفو وصفح ومسامحة وليس دين حقد وتباغض ومقاطعة كيف لا وربكم عفو كريم يحب العفو سبحانه أخرج الإمام أحمد بسنده أن أمنا أم المؤمنين عَائِشَةُ قَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ قَالَ : ((تَقُولِينَ اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي))(7).وأخرج الإمام البخاري عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ))(6).أرأيتم أيها الأحبة في الله فوق ثلاث ليال فما بالكم بثلاثة أسابيع وثلاثة أشهر وثلاث سنوات وهناك من يورثوا العداء والبغضاء وعدم الصفح إلى أولادهم كما يورثوا الدرهم والدينار ويتواصوا على ذلك حتى قد تمتد القطيعة إلى ثلاثة أجيال أو تزيد،فاتقوا الله عباد الله ولنتواصى جميعاً من هذا المكان المبارك و في هذا الزمان المبارك على أن نربي أنفسنا وأزواجنا وأولادنا على العفو والصفح والمسامحة بشكل لا يؤدي إلى ضياع حق من حقوق الله.

يوسف الوسيدي
09-26-2007, 05:23 PM
جزااااااااااااااك الله خيييييييييييييير
مشكوووووووووور وماقصرت على المجهود الرائع

تقبل مروري

__________________

حمد شريف
09-27-2007, 07:01 AM
بااااااااااااااارك الله فيك وجزااااااااااك الله خير على مرورك وتشجيعك

محمد مشعل المنقدير
04-20-2008, 06:33 PM
لا هنت على الموضوع