بدر خالد الحربي
10-22-2007, 09:23 AM
تمر بنا الأوقات سراعا ، وتتكرر الأيام تباعا ، فنذهل عن تعاقبها كالمحدق بالكرة الدائرة يحسبها ساكنة ، أو كالمغتسل في النهر يمر به جاريا فلا يميز بين منحرفة وآتية ، والحق إنا لفي غفلة وسبات عميق .
عناية القرآن والسنة بالوقت
مما لا شك فيه ولا ريب لكل ذي عقل لبيب أن القرآن الكريم والسنة الشريفة قد عنيا بالوقت أشد العناية ، وفي مقدمة هذه العناية بيان أهميته ، وأنه من أعظم نعم الله التي من بها علينا ولبيان ذلك أقسم الله جل جلاله وتعالى شأنه في مطالع سور عديدة من القرآن بأجزاء معينة منه مثل الليل والنهار ، الفجر ، والضحى ، والعصر .
ومن المعروف لدى المفسرين بل وفي نظر المسلمين أجمعين ، أن الله إذا أقسم بشيء من خلقه فما ذلك إلا ليلفت أنظارهم إليه ، وينبههم لجليل منفعته وعظم أثاره .
وجاءت السنة النبوية تؤكد قيمة الوقت ، وتقرر مسئولية الإنسان عنه أمام الله جل وعلا يوم القيامة ، فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لن تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع خصال : عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ، وعن علمه ماذا فعل به " [1] .
وهكذا يسأل الإنسان عن عمره بعامة ، وعن شبابه بخاصة ، والشباب جزء من العمر ولكن له قيمة متميزة لكونه سن النشاط والعطاء والحيوية المتدفقة .
مميزات الوقت
وللوقت مميزات يتميز بها ، يجب علينا أن ندكرها حق إدراكها فهو سريع الانقضاء ، يمر مر السحاب ، ويجري جري الريح ، واعلم أن ما مضى من الوقت لا يعود وهذه ميزة أخرى من ميزات الوقت ، فكل وقت يمضي ، وكل ساعة تنقضي ، وكل لحظة تمر ، ليس في الإمكان استعادتها ، ولا يمكن تعويضها .
ولله در الشاعر الذي يصور كيف يمضي العمر ، وتذهب أيامه وتنقضي لياليه بلا رجعة ولا أمل في رجعوه حيث يقول :
وما المرء إلا راكب ظهر عمره على سفر يفنيه باليوم والشهر
يبيت ويضحى كليل يوم وليلة بعيدا عن الدنيا قريبا إلى القبر
ولما كان الوقت سريع الانقضاء وكان ما مضى منه لا يعود ، ولا يعوض بشيء كان أنفس ما يملك الإنسان كما ترجع نفاسته إلى أنه وعاء لكل عمل وكل إنتاج فهو في الواقع رأس المال الحقيقي للإنسان فردا أو مجتمعا .
قتلة الوقت
ولعلي لا أخالف الصواب إذا قلت : إن بعض المسلمين يقتل وقته بأمور لا طائل من ورائها تشغله عن واجبات هامة نافعة . فقد كان السلف رضي الله عنهم أحرص ما يكونون على أوقاتهم ، لأنهم كانوا أعرف الناس بقيمتها .
يقول الحسن البصري : أدركت أقواما كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصا على دراهمكم ودنانيركم .
المسارعة في الخيرات
ولا يخفى على العاقل الأريب أن مما يساعد على اغتنام الوقت والاستفادة منه تنظيم الأعمال وترك الفضول في كل شيء والبعد عن المجالس الفارغة . لذا فلنحرص أخي المسلم كل الحرص على ألا يمر يوم أو بعض يوم ، دون أن تتزود منه بعلم نافع ، أو مجاهدة للنفس ، أو إسداء نفع إلى غيره ، أو عمل صالح كصلة رحم أو مساعدة ضعيف أو سؤال عن جار أو أمر بالمعروف ونهي عن منكر ، حتى لا تتسرب الأعمار سدى ، وتضيع هباء من غير فائدة .
نظام الحياة اليومي للمسلم
ويجدر بالمسلم إذا أراد أن يبارك الله له في عمره ، أن يسير على ما نظمه الإسلام للمسلم في يومه وليلته بل في حياته كلها ، ويقتضي النظام أن يستيقظ المسلم مبكرا وأن يبدأ يومه من مطلع الفجر بعد صلاته ، وهنا يستقبل يومه بالبكور الذي دعا الرسول صلوات الله وسلامه عليه لأمته بالبركة فيه ، حينما قال : " اللهم بارك لأمتي في بكورها " [2] .
تنظيم الوقت
ومن تنظيم الوقت أن يكون فيه جزء للراحة والترويح لأن النفس تسأم بطول القراءة والبحث والعمل ، والقلوب تمل كما تمل الأبدان ، فلابد من قدر من الترويح المباح يعيد للنفس نشاطها وللقلب حيويته فقد أثر عن علي رضي الله عنه أنه قال : روحوا القلوب ساعة بعد ساعة ، فإن القلب إذا أكره عمي .
وأحسب أن أحوج الناس إلى تقسيم الوقت وتنظيمه واستغلاله استغلالا دقيقا هو الطالب المسلم . وأن حفظ الطالب لوقته في أثناء دراسته أمر سهل وميسور فقد كان للمدرسة دور كبير في حفظ وقت طلابها الشباب .
أما في العطل المدرسية ، فتكون المسئولية على أولياء أمورهم من الآباء والأمهات ومن يقوم مقامهم ، فينبغي هؤلاء بل يجب عليهم مراعاة فلذات أكبادهم ومن وضعهم الله أمانة في أعناقهم وحمايتهم من ضياع الوقت وانحراف السلوك .
ويجب عليهم أن يتفقدوهم في كل وقت وأن يمنعوهم من معاشرة من يخشى منه الشر والفساد على أخلاقهم واستقامتهم فإنهم عنهم مسئولون وعلى إهمال رعايتهم وتأديبهم معاقبون . قال تعالى : ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [ [3] .
الآفات القاتلة للوقت
هناك آفات كثيرة تضيع على الإنسان وقته ، وتأكل عمره ، إذا لم ينتبه لخطرها .. وهنا نقتصر على ذلك آفتين وذلك لعظم خطرهما .
الآفة الأولى : الغفلة :
وهي مرض يصيب عقل الإنسان وقلبه ، بحيث يفقد الحس الواعي بالأحداث واختلاف الليل والنهار ، يفقد الانتباه واليقظة إلى معاني الأشياء وعواقب الأمور .
والقرآن الكريم يحذر من الغفلة أشد التحذير فى قوله تعالى : ] وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ [ [4] .
ويدين القرآن أولئك الذين يهتمون بظاهر العلم دون حقيقته ولبه ، فيقول تعالى ] وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [ [5] .
الوقت في حياة المسلم
ومن البلية حقا أن تمر بأمتنا الأحداث تزلزل الجبال ، فلا يعتبر المسلمون ولا تتغير أحوالهم ، ومن هنا كان من دعاء أبي بكر رضي الله عنه : ( اللهم لا تدعنا في غمرة ، ولا تأخذنا على غرة ، ولا تجعلنا من الغافلين ) .
الآفة الثانية ، التسويف :
وهو من أشد الآفات خطرا على انتفاع الإنسان بيومه وحاضره ، وهي التسويف والتأجيل ، حتى تكاد تصبح كلمة سوف شعارا له وطابعا لسلوكه ، فمن حق يومك عليك أن تعمره بالنافع من العلم والصالح من العمل ، ولله در الشاعر الذي قال :
إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدا ندمت على التفريط في زمن البذر
وفي التسويف ، وتأخير واجب اليوم إلى الغد آفات أيضا :
أولا : إنك لا تضمن أن تعيش إلى الغد ، وليت شعري من يضمن لأحد أن يعيش إلى غده والموت يأتي بغتة .
ثانيا : إنك إن ضمنت حياتك إلى الغد فلا تأمن المعوقات من مرض طارئ ، أو شغل عارض ، أو بلاء نازل .
ثالثا : إن لكل يوم عمله ، ولكل وقت واجباته ولما قيل لعمر بن عبد العزيز وقد بدأ عليه الإرهاق من كثرة العمل : آخر هذا إلى الغد . فقال : لقد أعياني عمل يوم واحد فكيف إذا اجتمع على عمل يومين ؟
رابعا : تأخير الطاعات والتسويف في فعل الخيرات يجعل النفس تعتاد تركها ، حتى أن المرء يقتنع عقليا بوجوب المبادرة إلى الطاعة وعمل الصالحات ، ولكنه لا يجد من إرادته ما يعنيه على ذلك ، بل يجد تثاقلا عن العمل وإذا خطا يوما إليه خطوة كان كأنما يحمل على ظهره جبلا .
ومثل ذلك نجده أيضا عند التسويف في التوبة من المعاصي والمخالفات .
نماذج رائعة
وخير ختام للموضوع هو ذكر نماذج رائعة من المحافظة على الوقت عند السلف فقد كان جماعة السلف يحفظون اللحظات .
* فهذا ابن الجوزي رحمه الله والذي سمع يقول على المنبر في آخر عمره : كتبت بإصبعي هاتين ألفي مجلد .
* وهذا داود الطائي الذي كان يستف الفتيت ويقول : بين سف الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين آية .
* وأيضا ما روى عن الصاحب بن عباد ، فقد كان وزيرا لمؤيد دولة أبي منصور بن بويه ولم تقعده أعمال الوزارة أو مصاحبة مؤيد الدولة عن تأليف كتاب المحيط في سبعة مجلدات والكافي وجملة كتب غزيرة الفائدة تدل على تقديره لوقته وعدم إضاعة شيء منه في غير منفعة .
ومما لا مرية فيه أن العمر أقصر وأنفس من أن يفرط فيه أو أن يضاع في اللهو والعبث .
نسأل الله عز وجل أن يعرفنا شرف أوقات العمر ، وأن يوفقنا لاغتنام ساعاته ودقائقه ، وكفى بالعقل مرشدا إلى الصواب وبالله التوفيق
http://img370.imageshack.us/img370/9653/i0473ik.gif
عناية القرآن والسنة بالوقت
مما لا شك فيه ولا ريب لكل ذي عقل لبيب أن القرآن الكريم والسنة الشريفة قد عنيا بالوقت أشد العناية ، وفي مقدمة هذه العناية بيان أهميته ، وأنه من أعظم نعم الله التي من بها علينا ولبيان ذلك أقسم الله جل جلاله وتعالى شأنه في مطالع سور عديدة من القرآن بأجزاء معينة منه مثل الليل والنهار ، الفجر ، والضحى ، والعصر .
ومن المعروف لدى المفسرين بل وفي نظر المسلمين أجمعين ، أن الله إذا أقسم بشيء من خلقه فما ذلك إلا ليلفت أنظارهم إليه ، وينبههم لجليل منفعته وعظم أثاره .
وجاءت السنة النبوية تؤكد قيمة الوقت ، وتقرر مسئولية الإنسان عنه أمام الله جل وعلا يوم القيامة ، فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لن تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع خصال : عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ، وعن علمه ماذا فعل به " [1] .
وهكذا يسأل الإنسان عن عمره بعامة ، وعن شبابه بخاصة ، والشباب جزء من العمر ولكن له قيمة متميزة لكونه سن النشاط والعطاء والحيوية المتدفقة .
مميزات الوقت
وللوقت مميزات يتميز بها ، يجب علينا أن ندكرها حق إدراكها فهو سريع الانقضاء ، يمر مر السحاب ، ويجري جري الريح ، واعلم أن ما مضى من الوقت لا يعود وهذه ميزة أخرى من ميزات الوقت ، فكل وقت يمضي ، وكل ساعة تنقضي ، وكل لحظة تمر ، ليس في الإمكان استعادتها ، ولا يمكن تعويضها .
ولله در الشاعر الذي يصور كيف يمضي العمر ، وتذهب أيامه وتنقضي لياليه بلا رجعة ولا أمل في رجعوه حيث يقول :
وما المرء إلا راكب ظهر عمره على سفر يفنيه باليوم والشهر
يبيت ويضحى كليل يوم وليلة بعيدا عن الدنيا قريبا إلى القبر
ولما كان الوقت سريع الانقضاء وكان ما مضى منه لا يعود ، ولا يعوض بشيء كان أنفس ما يملك الإنسان كما ترجع نفاسته إلى أنه وعاء لكل عمل وكل إنتاج فهو في الواقع رأس المال الحقيقي للإنسان فردا أو مجتمعا .
قتلة الوقت
ولعلي لا أخالف الصواب إذا قلت : إن بعض المسلمين يقتل وقته بأمور لا طائل من ورائها تشغله عن واجبات هامة نافعة . فقد كان السلف رضي الله عنهم أحرص ما يكونون على أوقاتهم ، لأنهم كانوا أعرف الناس بقيمتها .
يقول الحسن البصري : أدركت أقواما كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصا على دراهمكم ودنانيركم .
المسارعة في الخيرات
ولا يخفى على العاقل الأريب أن مما يساعد على اغتنام الوقت والاستفادة منه تنظيم الأعمال وترك الفضول في كل شيء والبعد عن المجالس الفارغة . لذا فلنحرص أخي المسلم كل الحرص على ألا يمر يوم أو بعض يوم ، دون أن تتزود منه بعلم نافع ، أو مجاهدة للنفس ، أو إسداء نفع إلى غيره ، أو عمل صالح كصلة رحم أو مساعدة ضعيف أو سؤال عن جار أو أمر بالمعروف ونهي عن منكر ، حتى لا تتسرب الأعمار سدى ، وتضيع هباء من غير فائدة .
نظام الحياة اليومي للمسلم
ويجدر بالمسلم إذا أراد أن يبارك الله له في عمره ، أن يسير على ما نظمه الإسلام للمسلم في يومه وليلته بل في حياته كلها ، ويقتضي النظام أن يستيقظ المسلم مبكرا وأن يبدأ يومه من مطلع الفجر بعد صلاته ، وهنا يستقبل يومه بالبكور الذي دعا الرسول صلوات الله وسلامه عليه لأمته بالبركة فيه ، حينما قال : " اللهم بارك لأمتي في بكورها " [2] .
تنظيم الوقت
ومن تنظيم الوقت أن يكون فيه جزء للراحة والترويح لأن النفس تسأم بطول القراءة والبحث والعمل ، والقلوب تمل كما تمل الأبدان ، فلابد من قدر من الترويح المباح يعيد للنفس نشاطها وللقلب حيويته فقد أثر عن علي رضي الله عنه أنه قال : روحوا القلوب ساعة بعد ساعة ، فإن القلب إذا أكره عمي .
وأحسب أن أحوج الناس إلى تقسيم الوقت وتنظيمه واستغلاله استغلالا دقيقا هو الطالب المسلم . وأن حفظ الطالب لوقته في أثناء دراسته أمر سهل وميسور فقد كان للمدرسة دور كبير في حفظ وقت طلابها الشباب .
أما في العطل المدرسية ، فتكون المسئولية على أولياء أمورهم من الآباء والأمهات ومن يقوم مقامهم ، فينبغي هؤلاء بل يجب عليهم مراعاة فلذات أكبادهم ومن وضعهم الله أمانة في أعناقهم وحمايتهم من ضياع الوقت وانحراف السلوك .
ويجب عليهم أن يتفقدوهم في كل وقت وأن يمنعوهم من معاشرة من يخشى منه الشر والفساد على أخلاقهم واستقامتهم فإنهم عنهم مسئولون وعلى إهمال رعايتهم وتأديبهم معاقبون . قال تعالى : ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [ [3] .
الآفات القاتلة للوقت
هناك آفات كثيرة تضيع على الإنسان وقته ، وتأكل عمره ، إذا لم ينتبه لخطرها .. وهنا نقتصر على ذلك آفتين وذلك لعظم خطرهما .
الآفة الأولى : الغفلة :
وهي مرض يصيب عقل الإنسان وقلبه ، بحيث يفقد الحس الواعي بالأحداث واختلاف الليل والنهار ، يفقد الانتباه واليقظة إلى معاني الأشياء وعواقب الأمور .
والقرآن الكريم يحذر من الغفلة أشد التحذير فى قوله تعالى : ] وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ [ [4] .
ويدين القرآن أولئك الذين يهتمون بظاهر العلم دون حقيقته ولبه ، فيقول تعالى ] وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [ [5] .
الوقت في حياة المسلم
ومن البلية حقا أن تمر بأمتنا الأحداث تزلزل الجبال ، فلا يعتبر المسلمون ولا تتغير أحوالهم ، ومن هنا كان من دعاء أبي بكر رضي الله عنه : ( اللهم لا تدعنا في غمرة ، ولا تأخذنا على غرة ، ولا تجعلنا من الغافلين ) .
الآفة الثانية ، التسويف :
وهو من أشد الآفات خطرا على انتفاع الإنسان بيومه وحاضره ، وهي التسويف والتأجيل ، حتى تكاد تصبح كلمة سوف شعارا له وطابعا لسلوكه ، فمن حق يومك عليك أن تعمره بالنافع من العلم والصالح من العمل ، ولله در الشاعر الذي قال :
إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدا ندمت على التفريط في زمن البذر
وفي التسويف ، وتأخير واجب اليوم إلى الغد آفات أيضا :
أولا : إنك لا تضمن أن تعيش إلى الغد ، وليت شعري من يضمن لأحد أن يعيش إلى غده والموت يأتي بغتة .
ثانيا : إنك إن ضمنت حياتك إلى الغد فلا تأمن المعوقات من مرض طارئ ، أو شغل عارض ، أو بلاء نازل .
ثالثا : إن لكل يوم عمله ، ولكل وقت واجباته ولما قيل لعمر بن عبد العزيز وقد بدأ عليه الإرهاق من كثرة العمل : آخر هذا إلى الغد . فقال : لقد أعياني عمل يوم واحد فكيف إذا اجتمع على عمل يومين ؟
رابعا : تأخير الطاعات والتسويف في فعل الخيرات يجعل النفس تعتاد تركها ، حتى أن المرء يقتنع عقليا بوجوب المبادرة إلى الطاعة وعمل الصالحات ، ولكنه لا يجد من إرادته ما يعنيه على ذلك ، بل يجد تثاقلا عن العمل وإذا خطا يوما إليه خطوة كان كأنما يحمل على ظهره جبلا .
ومثل ذلك نجده أيضا عند التسويف في التوبة من المعاصي والمخالفات .
نماذج رائعة
وخير ختام للموضوع هو ذكر نماذج رائعة من المحافظة على الوقت عند السلف فقد كان جماعة السلف يحفظون اللحظات .
* فهذا ابن الجوزي رحمه الله والذي سمع يقول على المنبر في آخر عمره : كتبت بإصبعي هاتين ألفي مجلد .
* وهذا داود الطائي الذي كان يستف الفتيت ويقول : بين سف الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين آية .
* وأيضا ما روى عن الصاحب بن عباد ، فقد كان وزيرا لمؤيد دولة أبي منصور بن بويه ولم تقعده أعمال الوزارة أو مصاحبة مؤيد الدولة عن تأليف كتاب المحيط في سبعة مجلدات والكافي وجملة كتب غزيرة الفائدة تدل على تقديره لوقته وعدم إضاعة شيء منه في غير منفعة .
ومما لا مرية فيه أن العمر أقصر وأنفس من أن يفرط فيه أو أن يضاع في اللهو والعبث .
نسأل الله عز وجل أن يعرفنا شرف أوقات العمر ، وأن يوفقنا لاغتنام ساعاته ودقائقه ، وكفى بالعقل مرشدا إلى الصواب وبالله التوفيق
http://img370.imageshack.us/img370/9653/i0473ik.gif