مشاهدة النسخة كاملة : [ روائح الجنة في الشباب ] المقال الثاني 1 / 6 / 2009 م


مبارك جزا الحربي
05-31-2009, 02:23 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

[ روائح الجنة في الشباب ]


الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :

فكثيراً ما نسمع في المحاضرات : ( شبابنا .. مستقبلنا .. ) فهذا الشعار حقيقة لا مجاز ، وواقع لا خيال ، فمن ثم يجب علينا أن نصرف لهذه الشريحة الهم الأكبر ليكونوا مؤتمنين على مستقبل أمة الإسلام ، ويجب أن نتخلى عن نظرتنا إليهم أنهم صغار ، وننسى أنهم مستقبل الأمة .

قال الشاعر قديماً :

قد ينفع الأدب الأولاد في صغر ** وليس ينفعهم من بعده أدب
إن الغصون إذا عدلتها اعتدلت ** ولا يلين ولو لينته الخشب

يقول ابن خلدون : " التعليم في الصغر أشد رسوخاً ، وهو أصل لما بعده " .

ويتأكد الاهتمام بهذه الشريحة في وقتنا الحاضر الذي بلغت فيه الفتن والشهوات شأوا بعيداً في كافة مجالات الحياة ، حتى وصل غزو العقول إلى البيوت .

ومن رعى غنما في أرض مسبعة ** ونام عنها تولى رعيها الأسد

ولقد اشتد حرص السلف على مباشرة هذه المهمة الجسيمة ، حتى إن المنصور بعث إلى من في الحبس من بني أمية يقول لهم : " ما أشد ما مر بكم في هذا المحبس " ؟ قالوا : " ما فقدنا من تربية أبنائنا " . إذن الشباب هم الأعمدة التي يجب أن تصنع بعناية كي تتحمل ثقل البناء من بعد . لهذا جاء القرآن حاثاً على هذه المهمة : " يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة " . فهم اليوم صغار ، وجهال ، وغافلون وسيأتي اليوم الذي توسد إليهم أمور الأمة .

طاف عمرو بن العاص بالكعبة ، ولما انتهى من الطواف اجتمع بعض المسلمين للجلوس معه ، فلما أقبل إليهم أبعدوا صبيانهم وصغارهم ، فنهرهم عمرو وقال : أدنوهم وقربوهم ، فإنهم صغار قوم اليوم يوشك غداً أن يكونوا كباره ، قد كنا صغار قوم من قبل فأصبحنا اليوم كبارهم . وهذه مسألة في غاية الأهمية ، وهي احترام عقول الشباب ، وإنزالهم المنزلة اللائقة بإحضارهم مجالس الكبار ، ومخالطتهم لأهل العقل والدين والمروءة بدلاً من مجالستهم للسفهاء وقرناء السوء .

ومن المؤسف أن هذه النصيحة التي قدمها عمرو فرط بها كثير من الآباء في زماننا !! فأصبحنا نرى الفجوة واسعة بين الآباء والأبناء في الدين والخلق والعقل والتربية

وينشأ ناشيء الفتيان فينا ** على ما كان عوده أبوه

فالأب لا يرغب في مجالسة ولده ، ولا السفر معه ، ولا الحديث إليه ، والأم لاهية في شؤونها عن بنتها ... فماذا ننتظر !!

حكى ابن الجوزي أن المعتصم ركن إلى خاقان يعوده ، والفتح صبي يومئذ ، فقال له المعتصم : " أيما أحسن دار أمير المؤمنين أو دار أبيك ؟ فقال : " إذا كان أمير المؤمنين في دار أبي ، فدار أبي أحسن " ، فأراه المعتصم فصاً في يده فقال له : " هل رأيت يا فتح أحسن من هذا الفص ؟

" قال : " نعم ، اليد التي هو فيها " . فانظروا إلى هذا الصبي وفطنته ، وكيف استمال أمير المؤمنين إلى بيت أبيه ، حيث أغدق عليهم المعتصم بالمال ، وأوصى به خيراً ، فكان عالماً من العلماء ، وداهية من الدواهي .

إننا في حاجة ماسة لاستمالة شبابنا إلى ما ينفعهم من أمور دينهم ودنياهم ، فالشباب هم الشريحة الفعالة في الأمة ، وعمودها الفقري ، وجهازها العضلي ، وروحها الحية ، وطليعتها الوثابة ، ولا يتصور نجاح أمة بفساد شبابها .

فالشباب وقت القدرة على الطاعة ، وهو ضيف سريع الرحيل ، فإن لم يغتنمه العاقل تقطعت به الحسرات : " إن من أمضى يومه في غير حق قضاه ، أو فرض أداه ، أو مجد أثله ، أو حمد حصله ، أو خير أسسه ، أو علم اقتبسه ، فقد عق يومه وظلم نفسه ".

وظلمه هذا يتحسسه أشد ما يكون ساعة احتضاره ، عندما يراه قد أودى به إلى الخسران المبين فيتمنى على الله أن يؤخر حتى يصلح ما أفسد ، ويتدارك ما فات ، وأنى له أن أموالكم ، وقد تحتم الأجل ، ونزل الموت بساحته ، قال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ " . وكيف يرد الأمس في اليوم الجديد !!

فيا حسرات ما إلى رد مثلها ** سبيل ولو ردت لهان التحسر
هي الشهوات اللاء كانت تحولت ** إلى حسرات حين عز التصبر
فلو أنها ردت بصبر وقوة ** تحولن لذّات وذو اللب يبصر

فالواردات سريعة الزوال ، تمر أسرع من السحاب ، وينقضي الوقت بما فيه ، فلا يعود عليه منه إلا أثره وحكمه ، فاختر لنفسك ما يعود عليك من وقتك .

وما المرء إلا راكب ظهر عمره ** على سفر يفنيه باليوم والشهر
يبيت ويضحى كل يوم وليلة ** بعيداً عن الدنيا قريبا من القبر

يقول الإمام أحمد : ما شبهت الشباب إلا بشيء كان في كمي فسقط "
ومن لم يستفد وقت شبابه ، تكبد المشاق في كبره ، لهذا كان الشباب وقت العطاء ، والصبر ، والجهاد ، ومقياس الطاعة والمعصية . فمن حفظ شبابه في طاعة الله وما ينفعه في دنياه كان من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله .

قال ابن عباس : " ما آتى الله عز وجل عبدا إلا شابا ، والخير كله في الشباب ثم تلا قوله تعالى " قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم "

وقوله تعالى " إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى "
وقوله تعالى " وآتيناه الحكم صبيا "

وقال الأحنف بن قيس : " السؤدد مع السواد "
وهل كان صحابة رسول الله  إلا شبابا !! فهذا أسامة أمره رسول الله  على الجيش وهو ابن ثماني عشرة سنة ، وهذا عتاب بن أسيد استعمله رسول الله على مكة وعمره نيف وعشرون سنة .

وكم يؤلمنا أن نرى كثيرا من شبابنا لا هو في شيء من عمل الدنيا ولا هو في شيء من عمل الآخرة ، " لا دين ولا دنيا " ولا حول ولا قوة إلا بالله ، لا يعرف حقوق الله ولا حقوق الناس ولا حقوق الوالدين ، ولا يكف الناس من شره ، ولا ينفع نفسه بتعليم أو شهادة أو وظيفة مناسبة ينفع نفسه وأمته .

همهم كل همهم اللعب والسهر والسفر والمجالس السيئة ، والصحبة الفاسدة ، والأفعال المشينة ، وكثرة المشاكل ، أو أقل أحواله أنه شاب ليس له من شبابه ما ينفعه في دينه ودنياه . حياتهم تسويف ، وشعارهم العجز والكسل ، وأحلامهم أماني ، وعذرهم الشباب والفتوة والملاذ ، وما علموا أن الشباب طريق الجنة كما قال الشاعر :

إن الشباب حجة التصابي ** روائح الجنة في الشباب

وأكثر ما يؤرقهم الوحدة والفراغ كما قيل قديماً : " ومن الفراغ تكون الصبوة " أي السفة والضياع.

لقد هاج الفراغ عليه شغلا ** وأسباب البلاء من الفراغ

وسوف تكون لنا بإذن الله عدة وقفات مع هذه الشريحة الفاعلة في المجتمع في لقاءات قادمة بإذن الله ، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه ، وهدى الله شبابنا وحفظهم من كيد الكائدين ، ونزغات الشياطين ...

والحمد لله رب العالمين .. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ،،

عبدالعزيز الحنيني
06-01-2009, 04:45 AM
جزاك الله خير يا شيخنا أبوعمر
والحمدلله يوجد شيخ مثلك من الجماعة

وزادك الله تواضعاً اللهم آمين
وجزاك الله خير على هذا المقال الذي كنا نتظره
وجعله الله في ميزان أعمالك

طلال مفرح العوفي
06-01-2009, 02:30 PM
جزاك الله خير الجزاء

يا ابوعمر على هذا المقال الرائع

واسأل الله ان لايحرمك الاجر والثواب

وان يجعل كل ماتكتبه في ميزان حسناتك

بدر بن فهد العظام
06-01-2009, 10:23 PM
الله يجزاك خير يابو عمر ويطولي بعمرك
ويجعله بميزان حسناتك انشالله

أحـمـد الـحـربـي
06-02-2009, 07:09 AM
جزاك الله خير يابو عمر
ولاتحرمنا من هالمشاركات التي لايستغني عنها الصغير والكبير

واتمنى لو يكون هناك لقاء اجتماعي تجتمع فيه مع ابناء القبيلة عامه ورواد الموقع خاصه
لتعم الفائدة
وكما تعلم ان الاستفادة بالرؤية والسماع افضل بكثير من القراءة فقط
وذلك من شأنه ان تجتمع القبيلة على مايحبه الله ورسوله

تقبل مروري
اخوك/ أحـمـد الـحـربـي

حامد مناحي
06-04-2009, 02:03 PM
شيخنا العزيز والله اني احبك في الله.. فوالله لقد اعجبني مقالك والمقال يعرف من عنوانه ..والله يحفظك ياشيخنا من كل مكروة و أسأل الله أن ينفع بك الإسلام والمسلمين إنه ولي ذلك والقادر عليه أللهم أم ين يارب العالمين

مناع الوهبي
06-04-2009, 02:09 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بارك الله فيك يا شيخ

وجعل في ميزان

حسناتك يوم القيامة

مشاري العوفي
06-19-2009, 02:53 AM
جزاك الله خير ياشيخ وجعله الله في ميزان اعمالك
موضوع جدا مهم يستفيد منه الصغير والكبير
ونحن انشالله بانتظار مواضيعك القادمه

عيد الضليعي
06-20-2009, 02:55 PM
السلام عيكم ورحمة الله وبركاته .....
جزاك الله خير دكتورنا الفاضل بوعمر فعلا مقال جميل ومهم وخصوصا في فترة الصيف وأرجوا أن نستفيد ونفيد أبنائنا من وقت الفراغ
(من لم يشغل نفسهه بالحق شغلته بغيرها )

حنين الأرواح
06-21-2009, 01:08 AM
جزاك الله خير ياشيخ وجعله في موازين حسناتك

مضحي بن جمران الحربي
06-22-2009, 10:42 PM
الشيخ الدكتور مبارك بن جزاء الحربي جزاك الله خير على هذا المقال الطيب
وهذا التوجيه النير للشباب الله لايهينك يابو عمر وطال عمرك على الايمان وطاعة الرحمن

حرب حرابه دول
08-21-2009, 06:30 PM
جزاك الله خير يا شيخنا أبوعمر
والحمدلله يوجد شيخ مثلك من الجماعة

وزادك الله تواضعاً اللهم آمين
وجزاك الله خير على هذا المقال الذي كنا نتظره
وجعله الله في ميزان أعمالك